جهاد بكورة: أول عربي يعيد صياغة الزمن في معقل الساعات السويسرية الفاخرة

في معقل صناعة الساعات السويسرية، حيث تحكم التقاليد العريقة والأسماء العائلية التي امتدت لقرون، لم يكن دخول رائد أعمال عربي مجرد مغامرة، بل كان اختراقاً حقيقياً لقلعة مكينة ومغلقة.
اختار رائد الأعمال السوري جهاد بكورة أن يخوض التجربة من أصعب أبوابها: أن يتدرج من شغف العميل إلى خبرة الموزع، وصولاً إلى تأسيس دار فاخرة تخاطب العالم بلغة مبتكرة غير مسبوقة.
ولد جهاد في دمشق، واختزن في وجدانه سحر الشرق وعمقه الفلسفي في النظر إلى الحياة والمعنى، ثم قضى الشطر الأكبر من حياته في الغرب، ليمتص انضباطه ودقته في الصنعة والتنفيذ. هذا المزيج الفريد منح بكورة القدرة على إدماج أفضل ما في الثقافتين، ليصبح أول عربي يكتب اسمه على ساعات بهذا المستوى الفاخر، دون أن يكتفي بالتصميم والجماليات، بل أحدث تغيراً جذرياً في مفهوم الساعة ليحولها من مجرد أداة ميكانيكية لقياس الوقت إلى قيمة، وفكر، وتجربة إنسانية شاملة.
تستند رحلة بكورة الممتدة لأكثر من عشرين عاماً على ثلاث مراحل متكاملة: العميل العاشق عبر اقتناء أندر وأفخم القطع السويسرية وفهم فلسفتها؛ الموزع الخبير باستيعاب خفايا السوق وديناميكياته من الداخل؛ ثم الصانع والمبتكر بتأسيس دار مستقلة تعيد رسم خريطة الوقت.
يصفونه بـ «الفيلسوف الحرفي»؛ فهو لا يصنع الساعات لتقيس الزمن بل لتجلي معناه. يحمل بكورة إيماناً عميقاً بأن الله يمنح الإنسان الوقت قبل الروح في بطن أمه، وأن من استطاع فك شيفرة الوقت فقد اقترب من فك شيفرة الكون. وحين يُسأل عن شغفه الشديد بالتفاصيل وحرصه الدقيق عليها، يجيب ببديهة حاضرة: «كان الشيطان يسكن في التفاصيل، ولكني طردته منها ولونتها بالجمال».
في عام 2017، أطلق علامته التجارية الفاخرة BAKKOURA، وبدأ في ابتكار مجموعات محدودة للغاية تحدت القواعد المستقرة منذ قرون: ساعة الـ 30 ساعة التي تعيد هيكلة اليوم بجعل الساعة 48 دقيقة ليناسب صخب العصر الحديث؛ والساعة العكسية التي تدور عقاربها عكس الاتجاه المعتاد لتدعو العقل للتأمل وتغيير زاوية النظر؛ وساعة الزفاف التي تحول لحظة الارتباط المقدس إلى وقت مستمر يُحسب ويُخلّد. كما دخل إلى عالم المجوهرات والعطور من خلال تصاميم فريدة ذات هوية خاصة ومعنى فلسفي جعلها خارج المنافسة.
ولم تقف طموحاته عند حدود علامته؛ فقد أنشأ أول «جوجل للساعات» عبر منصة Watchering، وهو أول محرك بحث متخصص حصرياً لعالم الساعات مزود بكافة الميزات التي تجعل منه مجتمعاً يراعي خصوصية واحتياجات عشاق هذا المجال. كما قاد واحدة من أجرأ صفقات الاستحواذ حين اشترى الماركة السويسرية الشهيرة FRANC VILA Genève — التي تصنف من أفخم ساعات العالم ولها بصمة فريدة — بعد أن بدأ شغفه بها ببيع فيلته ليشتري 4 ساعات منها، قبل أن يستحوذ عليها بالكامل ويعيد صياغة هويتها عالمياً.
تنعكس مشاعر الوفاء في أدق تفاصيل مشروعه؛ فقد أطلق اسم والدته «بدرية» على متجره ومتاحفه الخاصة بالساعات، المرأة التي يرى فيها مستقبله ويستمد من وجودها الإصرار والإلهام.
غير أن أجرأ وأعمق تجلياته الإنسانية تجسدت في توجهه للتعاون مع مصممين مكفوفين منذ الولادة، ليرسموا إحساسهم بالوقت دون اعتماد على البصر، على أن تحمل الساعة اسم «البصيرة»، مؤكداً أن من لم ير الوقت بعينيه قد يكون الأكثر قدرة على الإحساس به ببصيرته... «هذه ليست ساعة.. إنها بكورة».
نُشر هذا المقال في: رؤيا كرفان
للاطلاع على النسخة الكاملة كما نُشرت في المنصة الأصلية للناشر مع تعليقات القراء وأرشيف الصحيفة.