اقتصاد ما بعد الحرب.. بين أوهام الشعارات وحقيقة الواقع

بعد أي ثورة أو حرب في أي دولة، يبدأ الانفتاح السياسي فينشغل جل المجتمع بالحياة السياسية والدستور والأحزاب، ولكن بعد مرور وقتٍ قصير يدرك الجميع أن الديمقراطية لا تطعم جائعاً ولا تكسو عارياً، وأن استقرار البلاد وعودتها إلى الحياة حقاً لا يتم إلا من بوابة الاقتصاد، الاقتصاد الذي يمثل في كثير من الحالات أحد أهم العوامل المسببة للاضطرابات والثورات إن لم يكن العامل الأساسي.
وبناءً عليه، فإن أي حل مستدام لهذه الاضطرابات يجب أن يشمل إصلاحاً شاملاً للاقتصاد، وهنا نستذكر مقولة لريتا ماي براون: “إن تكرار نفس التجربة بنفس الطريقة ضرب من الجنون”.
فالاقتصاد الذي يدار بذات الأدوات والعقليات التي سبقت الانهيار أو سببته، لن ينتج إلا النتائج ذاتها، كما أن استيراد نماذج وقوالب جاهزة من تجارب دولية ناجحة لا يضمن النجاح بالضرورة، لاختلاف الكثير من العوامل المؤثرة بين دولة وأخرى. فالاقتصاد ليس قالباً موحداً كقوالب الحدادين نصب فيه الحديد المنصهر فيخرج لنا ذات النتيجة، ولكنه منظومة حية تتفاعل مع المجتمع بكل تعقيداته وخصوصياته وخصائصه المحلية والإقليمية والتاريخية، يتفاعل معها وتتفاعل معه يتأثر بها وتتأثر به.
وهنا تبرز تحديات مهمة وأسئلة مصيرية يطرحها النموذج الاقتصادي الذي نرغب في تجربته، فبناء اقتصاد تنافسي يلزمنا بالضرورة إنفاذ تشريعات وقوانين لحماية المشاريع الصغيرة والمتوسطة من تسلط الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الضخمة. فهذه المشاريع تشكل العمود الفقري لأي تعافٍ حقيقي للاقتصاد السوري، وضمان ألا تبتلع الحيتان الكبيرة طموح الشباب السوري الساعي لبناء مستقبله من تحت الركام.
وعلاوة على ذلك، فإن الاقتصاد في سوريا الجديدة يجب أن يُنظر إليه كعقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن. فالدولة لا تمنح الرفاهية كهبات، والمواطن لا يدفع الضريبة كإتاوة، بل هي علاقة تشاركية تقوم على الشفافية المطلقة، يدفع فيها المواطن الضرائب للدولة مدركاً أنها ستعود إليه على شكل خدمات، ويعرف إلى أين تذهب أمواله وكيف يتم التصرف فيها وفيما يتم إنفاقها.
إن أي بلد يخرج من الحرب يدخل فعلياً في غرفة إنعاش اقتصادي، وفي هذه المرحلة، تتكاثر القراءات، وهناك من يراها فرصة، من يراها حصّة، ومن يراها شريان حياة يجب الدفاع عنه بكل ثمن، ولكن الحقيقة التي يصطدم بها الجميع هي أن الاقتصاد لا يعمل وفق منطق القيم الأخلاقية المجردة، بل وفق منطق التناسب وتوازن المصالح، وتناظر القوى، والارتباط البنيوي بالنظام الاقتصادي العالمي الذي يفرض إيقاعه وآلياته على الجميع.
وهنا يجب التذكير بأن النهضة الاقتصادية تحتاج مع الرؤى البعيدة والخطط الاستراتيجية، إلى فترة تعافٍ كافية، والتعافي يحتاج إلى رعاية قبل أن يحتاج إلى نظريات، ويحتاج إلى التكاتف والإيثار قبل المصلحة والمرابح الشخصية، لذلك فالإيمان والعمل في هذه الفترة لا يُطلب من المعدمين الذين أنهكتهم الحروب والأزمات وأحرقت أموالهم، ولكن فترة التعافي مخصصة لمساعدتهم وإعانتهم ليرفعوا الاقتصاد على أكتافهم بعد أن نعيد بناء حياتهم الاقتصادية.
وبذلك تبدأ عملية التعافي من التفاصيل الصغيرة، من حل المشكلات اليومية قبل الاستراتيجية، ومن إعادة ضخ الأساسيات من المجتمع إلى الفرد، كي يتمكن الفرد من البذل للمجتمع.
المجتمعات الخارجة من الحرب تحتاج إلى اقتصاد تكافلي، لا يتحول فيه المستثمر إلى إقطاعي، ولا التاجر إلى رأسمالي، ولا المجتمع إلى متهم دائم، فالاقتصاد الحقيقي لا يُبنى بكثرة العمل، بل بضمان الحقوق، وبخلق بيئة يشعر فيها الإنسان أن جهده يتحول إلى قيمة مضافة، لا إلى عبء إضافي، إنه اقتصاد يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الحاجة والفرصة، وبين التعافي والنمو، ليصبح الانتماء عنوان المرحلة الجديدة.
إن استشراف المستقبل السوري لا ينطلق بشكل عشوائي، بل من قراءة في الأصول البنيوية التي لا تتبدل، فالموقع الجغرافي الذي يتوسط قارات العالم يمنح البلاد ميزة لوجستية تاريخية ويتناغم ذلك مع رأسمال بشري فريد، يمتلك خبرات تراكمية ومرونة فائقة في الابتكار، ما يحول الموارد البشرية السورية إلى محرك حقيقي للإنتاج وخلق القيمة المضافة في أصعب الظروف، وهذه العوامل إذا استثمرتها إدارة قوية بكفاءة ستبني اقتصاداً إنتاجياً يمكنه الصمود في وجه أعتى العواصف الاقتصادية.
نُشر هذا المقال في: صحيفة الثورة السورية
للاطلاع على النسخة الكاملة كما نُشرت في المنصة الأصلية للناشر مع تعليقات القراء وأرشيف الصحيفة.