أين ضاعت أهم موارد سوريا الاستراتيجية؟

أعادت الحرب الأخيرة بين إيران وأمريكا إلى أذهان الشعوب حقيقة تاريخية قديمة المتمثلة بأن الاقتصاد وطرق التجارة لا تزال العامل الأهم والموجه الأبرز لحركة قادة العالم وخططهم العسكرية والسياسية والدبلوماسية، كما كان الحال طوال فترات التاريخ البشري الطويلة، فطالما كان الاقتصاد هو الملف الأقوى والأهم في دواوين الحكم منذ ميلاد الحضارة حتى اليوم.
وباختلاف أولويات الدول في العوامل التي تسعى لخدمة هذا الملف إلا أنه دائماً ما يشغل أذهان القادة والمسؤولين، فبينما تعمل بعض الدول على تأمين المواد الأولية والموارد الطبيعية لدعم صناعاتها تعمل أخرى على مد نفوذها لتسيطر على طرق التجارة والمعابر المهمة وتسعى أخرى للحصول على أسواق لتصريف منتجاتها، باختصار تختلف الاستراتيجيات ولكن الجميع يسعى لهدف واحد ألا وهو الاقتصاد المزدهر.
وفي ظل هذا العالم وهذه المتغيرات تبرز سوريا على الساحة من جديد باقتصاد معدم بعد عقود من التكبيل و15 عاماً من الشلل والتدمير، فماذا تمتلك هذه الدولة الصغيرة من عوامل وموارد لتساعد اقتصادها للعودة من جديد إلى الساحة الدولية، وكيف يمكن استغلال هذه الموارد والعوامل بالشكل الصحيح.
وعلاوة على النفط والفوسفات والموارد الطبيعية المختلفة تمتلك سوريا موقعاً استراتيجياً يجعلها عقدة مواصلات مهمة لتمر منها خطوط التجارة والنقل، ولكن هل هذه الموارد كافية لتحقيق أهداف السوريين بالعودة للساحة الاقتصادية الدولية من جديد؟ وما هو العامل الذي يمثل الواحد على يسار هذه الأصفار به تصبح أرقام قوية (1000) ودونه تصبح مجرد صفر بخانات متعددة (00000)؟
الإنسان السوري هو هذا العامل القادر على تحريك كل شيء وبالاستثمار به يمكن لسوريا أن تحقق أكثر مما تقدمه ثرواتها الباطنية أو موقعها الاستراتيجي أو مخزوناتها من النقد والمعادن الثمينة، وقد أثبت التاريخ أن الإنسان الكفؤ والمؤهل هو العامل الأساس لاستغلال هذه الثروات والمقدرات واستثمارها لمصلحة البلاد واقتصادها، إذا أخذ فرصته وتأمنت له بيئة صحية تنمي مهاراته وتساعده على التطور والتطوير.
وقد أثبتت العقود الماضية أن تهميش الإنسان وقمعه، وإغلاق أبواب التفكير والإبداع أمامه، تمثل طعنات تضرب الثروة البشرية في مقتل، فلا يمكن للإنسان أن يزهر ويبدع ويعمل باجتهاد في جو من الخوف والقلق من أن كلمة نقد أو جملة تبرم يمكن أن تودي بحياته ومستقبله، ولا يمكن للإنسان أن يعمل بجد ويقدم كل طاقته وهو يعلم أن عمله وتعبه مهدد بالضياع في متاهات الفساد والبيروقراطية والاستبداد.
ولذلك فالحرية التي انتزعها السوريون مؤخراً تمثل زوال الحاجز الأهم أمام التطور الذي نطمح له، ولكنه ليس الوحيد وهناك حواجز أخرى علينا تجاوزها لنفتح الطريق أمام الطاقات البشرية السورية للتطور.
يتمتع الشعب السوري بميزات وخصائص مثالية لعملية التعافي الاقتصادية المنشودة، فنحن أمام شعب يقدس العمل وبعضه يعتقد في العمل وإعمار الأرض أنها عبادة كالصدقة والصلاة والصيام، بالإضافة لأن موجات التهجير التي شهدتها سوريا نحو بلاد ذات اقتصادات قوية مثل أوروبا وتركيا واحتكاكهم بأسواق العمل فيها ولد خبرات هائلة يمكن أن تستفيد سوريا منها.
وخصوصاً أننا أمام بعض الدول التي شهدت أحداثاً تشابه ما عاشته سوريا مثل ألمانيا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بدمار شامل واقتصاد مشلول، ونقل هذه التجارب إلى سوريا عن طريق الملايين من السوريين الذين عاشوا في هذه البلاد وعملوا فيها، يمثل فرص رائعة لاستقدام خبرات بنيت في اقتصادات عملاقة هي من الأقوى على مستوى العالم.
وهنا يبرز أمام الحكومة السورية تحديات وإجراءات يجب أن تضعها على أجندتها لضمان استغلال هذه الثروة الهائلة والطاقات الكامنة في بناء الاقتصاد السوري المنتج والمستقر وإعادة الإعمار على أسس سليمة وقوية وأهمها:
أولاً: تطوير التعليم وتحويله من تلقين جامد للمعلومات إلى عملية لتطوير الأذهان وصقل العقول وتدريبها على التفكير التحليلي والنقدي والابتكار، وتطويع التعليم لخدمة احتياجات الدولة والمجتمع والابتعاد عن تكديس الخريجين دون النظر لحاجة السوق والاقتصاد لشهاداتهم.
ثانياً: تحرير الابتكارات والمبادرات الفردية من قيود البيروقراطية، والرقابة والقمع والوساطات والمحسوبيات، وتمكين رواد الأعمال الصغار من طرح مشروعاتهم في السوق لأنهم حجر الأساس في بناء اقتصاد وطني ثابت ومستقل محلياً وقوي ومؤثر عالمياً.
ثالثاً: خلق البيئة التنظيمية والقانونية والاقتصادية التي تحمي الفكرة قبل رأس المال، وتحمي التجار الصغار والشركات الناشئة وتضمن لهم بيئة عادلة تنافسياً، فبدون هذه البيئة سيقع أصحاب المبادرات والمشروعات الصغيرة تحت رحمة رؤوس الأموال الكبيرة التي لا يفكر أصحابها في احتياجات المجتمع والدولة وبالتالي ستصبح البلاد أسيرة لرغبات السوق العالمي وفريسة سهلة لضغوطات الدول الغنية.
رابعاً: الاعتماد على السوريين أنفسهم المتواجدين داخل البلاد لبناء منظومة اقتصادية وطنية في الداخل، والاعتماد على الجاليات السورية المنتشرة حول العالم لبناء شبكات علاقات عامة وفتح أسواق جديدة للتبادل التجاري مع سورية، فهذه الجاليات في السابق كانت نقطة ضعف أما الآن فيمكن أن تستغل بشكل ممتاز لإعادة سوريا إلى خريطة التجارة الدولية التي كانت من روادها منذ آلاف السنين.
إن العامل الأساس لبناء اقتصاد سوري قوي هو الاعتماد على الشعب السوري، وفتح المجال له ليبني ويبدع ويتطور، وليس باللهاث الأعمى وراء الاستثمارات الخارجية الضخمة وأصحاب رؤوس الأعمال الذين لا يهتمون إلا بالمكاسب السريعة، ولا يعنيهم تطور الاقتصاد وقوته، فالإنسان السوري القوي والمُعد بالشكل الصحيح هو الضمان الوحيد لنهضة سوريا على كل الأصعدة.
نُشر هذا المقال في: صحيفة الثورة السورية
للاطلاع على النسخة الكاملة كما نُشرت في المنصة الأصلية للناشر مع تعليقات القراء وأرشيف الصحيفة.