The Hunter: How Wealth Is Created After the War

في كل مرحلة انتقالية يمرّ بها اقتصاد ما، يظهر نمطان من السلوك البشري، سلوك القبيلة، وسلوك الصيّاد. تتحرك القبيلة عندما يتحرك الجميع، تبحث عن الأمان أولاً، وتنتظر الإشارات الواضحة قبل اتخاذ أي خطوة. أما الصيّاد، فيتحرك وفق منطق مختلف تماماً، لا يبحث عن الطمأنينة، بل عن الفرصة التي لا يراها الآخرون، يدخل الغابة عندما يخرج الجميع منها، ويصنع مساحته الخاصة في اللحظة التي يظن فيها الآخرون أن اللعبة انتهت.
ولهذا، فإن الثروات الكبيرة في التاريخ لم تُصنع في فترات الاستقرار، بل في لحظات التحدي بعد الحرب، وحين تكون الأرض رخوة، والقواعد قيد التشكل، والفرص أكبر من أن تُرى بالعين المجردة.
وتتمحور القاعدة الأولى حول أن المال لا يتبخر، وهذا أكبر سوء فهم اقتصادي يتكرر في كل أزمة، لأن الحقيقة أن المال لا يتبخر، بل ينتقل من يد إلى يد، ومن قطاع إلى آخر، ومن نموذج اقتصادي إلى نموذج جديد، ومن يفهم اتجاه هذا الانتقال، لا ينجو فقط، بل يصنع ثروته.
أما القاعدة الثانية فهي التحديات التي تعيد توزيع الفرص، ففي الاقتصادات المستقرة تكون القواعد واضحة، أسواق مشبعة ومنافسة عالية وحيتان مسيطرة، لكن في لحظات التحدي بعد الحرب يحدث شيء مختلف، فنشهد إعادة لتوزيع الفرص، وما كان مستحيلاً يصبح ممكناً، وما كان محجوزاً للكبار يصبح متاحاً لمن يملك الجرأة والرؤية.
وتتحدث القاعدة الثالثة عن الأسبقية التي تصنع الامتياز، ففي الاقتصادات الانتقالية، هناك قانون ثابت يعرفه المستثمرون جيداً، من يدخل أولاً يملك الأفضلية، إذ أن الأسبقية تمنح أجمل المواقع وأفضل العلاقات وأجدى الفرص، تحديداً تلك التي تُصنف بأنها من الأقل تكلفة، أما كل من ينتظر وضوح الصورة فيدخل عادة بعد انتهاء اللعبة.
وإلى القاعدة الرابعة التي تُفرق بين الأمان والحماية، حيث أن الدول المستقرة تبني اقتصاداً قائماً على الأمان، أما الدول الخارجة من الحرب، فاقتصادها يحتاج إلى الحماية التي لا تعتبر بالضرورة ضماناً لغياب المخاطر، بل القدرة على العمل داخل بيئة مليئة بها عبر إدارتها.
وفي القاعدة الخامسة تعتبر النجاة مولداً للإبداع، ولا سيّما حين يتحول الاقتصاد إلى اقتصاد بقاء، تصبح الحاجة هي المحرك الأول، حيث أنها كانت دائماً عبر التاريخ من أعظم محفزات الإبداع، فكثير من الابتكارات الكبرى في العالم وُلدت في أوقات التحديات، لا في أوقات الرفاه.
سوريا اليوم نموذج لاقتصاد ما بعد الحرب وفق القاعدة الخامسة فالاقتصاد السوري اليوم لا يشبه الاقتصادات التقليدية، لأنه اقتصاد يقوم على مجموعة عناصر متشابكة، أبرزها، اقتصاد نجاة، اقتصاد تحويلات من الخارج، اقتصاد مساعدات، اقتصاد سوق غير رسمي، اقتصاد إعادة إعمار وصناعة، ورغم أن هذه العناصر تبدو للبعض مؤشرات ضعف، إلا أنها في نظر المستثمر الذي يفكر بعقلية الصيّاد تمثل بيئة منخفضة التكلفة وعالية الإمكانات.
أما القاعدة السادسة المؤكدة فهي أن الضجيج لا يوقف الاقتصاد، ففي في كل مرحلة انتقالية يرتفع الضجيج، تظهر تحليلات سلبية وخطاب إعلامي متشائم وصورة قاتمة للمشهد، لكن الاقتصاد الحقيقي لا يتوقف، بل يتحرك بصمت بعيداً عن الميكروفونات، عبر المبادرات الصغيرة، والشركات الناشئة، والتحويلات، والورش، والفرص التي لا تُعلن على الشاشات.
Originally published in: Al-Thawra Newspaper
Visit the publisher's official platform to view the original publication and newspaper archive.