From an Economy of Spoils to an Economy of the Human Being

يقول المثل: “اسأل مجرِّباً ولا تسأل حكيما”. وأنا أقول من موقع التجربة الحية: اسأل المجرِّب، والطبيب، والحكيم، والممرض، والمريض، وأهله أيضاً — ثم اجمعهم جميعاً حول طاولة واحدة، وأشركهم في الرأي والرؤيا وصنع القرار. عايشت ثماني أزمات اقتصادية عالمية، والكثير من الحروب والانقلابات والثورات، وخرجت من كل ذلك بقناعة راسخة: لا يُبنى اقتصاد إلا برؤية موحدة ومنفعة مشتركة.
في كل مرة تضع فيها الحرب أوزارها، أو تهدأ عاصفة أزمة طاحنة، تقع الحكومات في فخ متكرر وخطأ استراتيجي قاتل: فتبدأ باستجلاب الأموال وتفتح الأبواب الخلفية للمستثمرين والصناديق التمويل الدولية وتتنازل لشروطهم، وتسن سلاسل من القوانين الميسِرة والمراسيم الجاذبة لرأس المال ويتناسى المسؤولون أن المجتمعات ليست مصانع صماء.
والإنسان الذي عانى وخسر بيته وعمله ومدخراته أو حتى أحباءه وصحته، لا يرى “البيئة الاستثمارية الجاذبة” أولوية ولا يهتم للاتفاقيات الاستثمارية الضخمة والمشاريع التي تحتاج لعقود لتثمر. إنه بحاجة لشروط الحياة الأساسية: الأمان، والكرامة، واليقين بأن ثمة مستقبلاً حقيقياً يستحق أن يُبنى.
البداية الصحيحة إذن تقتضي تجنُّب ثلاثة أخطاء متلازمة: إحياء الأرقام قبل الإنسان، والانشغال بالمشاريع الحالمة قبل تأمين الحاجات الأساسية، والبحث عن المال قبل بث الروح في الجسد الاجتماعي.
إذا نظرنا إلى الصحراء فسوف نرى أن التركيبة الإجتماعية لا تبنى في الرمال بل على الواحة؛ فتلك النقطة تجمع الناس وتشكل العلاقات، لأن الرزق يحتاجه الجميع بلا استثناء. فإما أن يكون الاقتصاد تعايشاً وتبادلاً للمنافع أو تنافساً وتصارعاً على الموارد.
الاقتصاد في مرحلة ما بعد الأزمة هو تلك الواحة بعينها. الرزق هو الماء والكلأ الذي يربط أطياف المجتمع المتشظي، ويُعيد تشكيل هويته المشتركة. لذا، فإن من يتولى إدارة الملف الاقتصادي في هذه المرحلة الحساسة لا يمارس وظيفة بيروقراطية باردة جامدة؛ بل يقوم بعملية “هندسة اجتماعية” بامتياز، فإما أن يوحد المجتمع ويبنيه على أسس صحيحة أو يفتح الباب لانقسامات وأزمات جديدة.
وهذا ما توحي به تعاليم إنسانية عميقة دينية وفلسفية، وهذا هو المبدأ التأسيسي: الاقتصاد خدمةٌ للجسد الاجتماعي بأكمله، لا أداةٌ لإثراء أعضاء بعينها على حساب سائرها. ولتحقيق ذلك، نحتاج في سوريا اليوم إلى ثلاثة أصناف من الكفاءات النادرة، لا إلى محاسبين يتقنون الجباية وتجفيف السيولة:
أطباء الإنعاش الاقتصادي: متخصصون في معالجة المجتمع بكل تعقيداته وإعادة بنائه من الداخل وتقديم التأهيل اللازم لليد العاملة. ومهندسو العلاقات الاجتماعية: من يمتلكون الحكمة لتقريب طوائف المجتمع المتفرقة من بعضها وجمعها تحت راية الوطن كشعب واحد. وإعلاميون اقتصاديون: يعملون بشفافية لبناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوضيح خطط الدولة للرأي العام.
ومن هذه التجربة الفكرية نستنتج: أن الحل الأمثل للخروج من دوامة الارتجال وقوانين رد الفعل الإسعافية يكمن في صياغة “دستور اقتصادي”. وقد يبدو المصطلح مبتكراً، لكن التحديات الاستثنائية تتطلب أدوات استثنائية. فالقوانين الاقتصادية التقليدية صُمِّمت في معظمها لحماية رؤوس الأموال الكبرى؛ والكيانات الاقتصادية العملاقة وتجيب بكل كفاءة على سؤال: “كيف يربح المستثمر؟”، لكنها تقف عاجزة أمام السؤال الأخلاقي الأعمق: “كيف يعيش المواطن بكرامة؟”
فالدستور الاقتصادي وثيقةٌ تشريعية عليا يجب أن تكون جزءً من الدستور، تُرسي مبادئ وطنية ثابتة لا تملك أي حكومة أو وزير حق المساومة عليها. وأبرز ركائزها: الملكية السيادية للثروة الوطنية، فالموارد الطبيعية ملكية عامة للشعب، لا غنيمة توزّعها الحكومة، ولا احتكار يستغله مستثمر، ومعيار الإنسانية في كل قرار، فكل تشريع اقتصادي يجب أن يقاس بميزان مصلحة المواطن.
والشراكة البنيوية بين الدولة والشعب كمرجعية تطوَّع أي رأس مال خارجي لخدمة الدولة لا العكس، وسيادة المصلحة العامة مثل الأمن الغذائي والمعيشي للمجتمع كأولوية تعلو على مصلحة أي رأس مال، مهما كان حجمه. وثمة بنود أخرى كثيرة ينبغي أن تُصاغ بمشاركة كل أصحاب المصلحة المشتركة، لنبني أول دستور اقتصادي يكون نموذجاً يُحتذى به في تجارب إعادة البناء حول العالم.
إنعاش أي جسد اقتصادي يستلزم البدء فوراً بضخ الحياة في ثلاثة شرايين رئيسية: الشريان الأول: الثقة، وهو الأهم. لا يمكن إعادة وصل ثقة المواطن بالدولة، ولا ثقة أبناء المجتمع ببعضهم، عبر الخطابات والشعارات الجوفاء، بل بالأفعال والشفافية، وقانون صارم يُطبَّق على الجميع دون استثناء، ورؤية تُشارَك لا تُفرَض، ووضوح في كل التفاصيل والتشاركية في صنع القرار.
الشريان الثاني: التدفق النقدي عبر الدورة المصغّرة. النهوض لا يبدأ من المشاريع الضخمة التي تستهدف النخب دون الشعب، بل من القاع، ومن أضعف فئات المجتمع. فيجب إعادة الروح إلى الخلايا الاقتصادية الصغيرة: الدكان في حي شعبي، والورشة الحرفية في الزقاق، والمزرعة في الريف، والسوق الأسبوعي. هذه الوحدات الصغيرة هي التي تحمل التغذية اليومية لجسد المجتمع، وهي التي توفر الرزق للغالبية العظمى.
الشريان الثالث: الإدماج عبر استعادة الطاقات المُقصاة. كثيراً ما تسبب الاضطرابات والأزمات في إقصاء ملايين من المنظومة الإنتاجية، بين التهجير والتسريح والسجون. فإعادة دمج هؤلاء وخصوصاً أصحاب الخبرة ورأس المال يجب أن تكون من أولى الأولويات، وهذا ليس منّةً أو فضلاً من أحد؛ بل هي الاستثمار الوطني الأعلى عائداً والأكثر ضماناً.
إن إعادة بناء الاقتصاد بعد كل هذا الخراب والهدم ليست عملية محاسبية لحساب العجز والفائض والموازنات؛ إنها عملية بعث لروح المجتمع. والإنعاش الحقيقي لا يبدأ بفتح الأبواب لامتصاص ما تبقى من دماء البلد تحت مسمى الاستثمار، بل يبدأ بفتح نوافذ الوعي، وإعادة الهواء للمواطن كي يتنفس بكرامة، وصياغة “دستور اقتصادي” يجعل من سوريا شريكاً مهاباً في معادلات الاقتصاد العالمي، لا فريسةً في سوق الغنائم.
Originally published in: Al-Thawra Newspaper
Visit the publisher's official platform to view the original publication and newspaper archive.