Engineering the Syrian Economy: Avoiding Jumping from the Frying Pan into the Fire

لا شك بأن الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد هي من أكثر الأسئلة إلحاحاً في الواقع السوري اليوم، وسوريا التي جربت خلال تاريخها الحديث، القصير نسبياً، أنواعاً مختلفةً من التطبيقات على اقتصادها، سببت تراكم وعي ومخاوف ستسهم دون شك في توجه الشعب والحكومة في مجال الاقتصاد.
بعد تخلص سوريا من الهيمنة الفرنسية الاستعمارية، والسماح لرجال أعمالها بالعمل الحر دون تأثير وضغط الاستعمار، تمكنت النخب الاقتصادية السورية من تحقيق تطور في الاقتصاد ولو بشكل محدود، تحدث عنها العديد من الكتاب مثل توفيق الشاوي ود. يوسف صايغ، وهذا على الرغم من الأزمات السياسية التي توالت على البلاد، ولكن سرعان ما وجهت الاضطرابات السياسية ضربات موجعة للاقتصاد السوري.
فمع فشل الحكومات في تحقيق التنمية والتطور، وخصوصاً في الأرياف، واجتماع رؤوس الأموال في المدن الرئيسية، تصاعد الغضب عند الفئات المهمشة التي بدأت تتجه نحو الأفكار اليسارية والثورية، وتوج هذا بسياسات التأميم في فترة الوحدة، هذه السياسات قصمت ظهر طبقة رجال الأعمال والصناعيين السوريين، وباتت كل وسائل الإنتاج القوية والمؤثرة بيد الدولة.
أدى هذا التحول إلى انتقال إدارة المؤسسات الاقتصادية من مزارع ومعامل من أيدي رجال الاقتصاد إلى الموظفين الحكوميين، ولسنا هنا في معرض مناقشة أو نقض هذا التحول وآثاره السلبية، ولكن هناك زاوية لا بد من الإشارة إليها وهي الفساد، بعد أن سيطرت الحكومات الدكتاتورية على سوريا بدأت هذه الحكومات بتوظيف المحسوبين والمقربين، واستشرى الفساد، الذي عطل الاقتصاد المتضعضع أصلاً، وحتى مع محاولات حافظ الأسد للانفتاح قليلاً، فإن استشراء الفساد والمحسوبيات وانعدام الشفافية في نظامه، منع أي تطور حقيقي في الاقتصاد السوري.
وحتى عندما قرر ابنه المخلوع قبيل الثورة أن ينتهج سياسات الانفتاح الاقتصادي قام بها بشكل غير مدروس، تسبب بضربات موجعة للصناعيين السوريين الذين كانوا بالكاد يحاولون النهوض من الهزات التي أصابتهم في عهد الأب، فأدى كل هذا إلى مظاهر مشوهة في الاقتصاد السوري أهم معالمها:
انتشار الفقر وغلاء المعيشة وتضخم المدن، دون تنظيم، وتراجع الصناعة المحلية وزيادة تكاليفها، بينما يتم استيراد بضائع أفضل وأرخص. وظهور طبقة من رجال الأعمال الفاسدين الذين سيطروا على كل مفاصل الاقتصاد بطرق ملتوية، ومنعوا المنافسة الحرة الداخلية والخارجية.
قد يظن البعض أننا وبعد أن تخلصنا من الأنظمة الاستبدادية يجب أن نهرب إلى نقيض ما كانت عليه، ونرتمي في أحضان السوق الحر والرأسمالية، ونجعل سوريا جنة المستثمرين الذين سيغدقون علينا بأموالهم ليستثمروها في كل شيء، فتتحول سوريا إلى جنة، ولكن هذا الأمر يحمل في طياته مخاطر كبيرة أهمها:
الانفتاح الكامل سيكرر الأزمة التي سببتها سياسات المخلوع مطلع القرن الحالي، حيث سيعجز المنتج المحلي عن منافسة المنتج المستورد، وتتحول سورية إلى دولة مستوردة تستهلك موادها ونقدها في شراء احتياجاتها من الخارج.
الارتهان والتبعية السياسية، فقد يلعب رأس المال الخارجي دوراً في الضغط السياسي الذي يمكن تمارسه الشركات الكبرى أو الحكومات والدول المسيطرة على رؤوس الأموال على الحكومة السورية لتمرير سياسات لا تتماشى مع مصالح سوريا وشعبها.
لا يمكن اعتبار الاستثمار الخارجي مصدرًا مستقلاً، فجُبْنُ رأس المال سيسبب انهيارات كبيرة عند أقل أزمة أو إشكال، فلا شيء يربط المستثمر بالبلد إلا الأرباح وأي تهديد لأرباحه أو انفتاح فرص أفضل له يعني أنه سيترك البلاد وسينقل استثماره، دون التفكير في ضرر هذه الخطوة على الاقتصاد المحلي.
لا يفكر رأس المال الخارجي إلا بالربح وهو لا يحس بأي انتماء أو مسؤولية تجاه البلد وتطويره لأنه لا يعيش فيها ولا يعنيه تطورها وتقدمها.
لا شك أن سوريا اليوم تمر بوقت عصيب، وقد يبدو الحل الرأسمالي والانفتاح الكامل من أسهل الحلول وأسرعها أداءً، ولكنه بلا شك سيرمي البلاد ويقيدها بقيود خارجية يصعب التخلص منها، فهي اليوم دواء بسيط ومخرج سهل للمشاكل العاجلة، ولكن مع الصبر والتفكير والتخطيط والعمل الموجه بالشكل الصحيح تستطيع الحكومة الخروج بسوريا من أزماتها ببطء نعم، ولكن بالشكل الصحيح الذي لن يقيد السوريين لعقود قادمة.
إن مجال النزاع بين الاشتراكية والرأسمالية هو مجال واسع فكرياً أكاديمياً وسياسياً وحتى عسكرياً، ولكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الفكرة بقدر ما تكمن في تطبيقاتها، وتناسبها مع الحالة السورية، وهذا ما يفتح المجال لسؤال أعمق بكثير، لماذا نستورد الحلول؟ لماذا يجب أن نختار دائماً بين طريقتين معلبتين أُنتجتا وتطورتا في أماكن بعيدة عنا؟
هذان السؤالان يضعان الحكومة السورية أمام تحدٍ تاريخي في اختيار طريقها في النهوض والتطور، فنحن بلا شك يجب أن نستفيد من كل النماذج في العالم من ألمانيا إلى روسيا وأوغندا سنغافورة وماليزيا وتركيا، ولكن يجب أن نستغل هذه الخبرات في بناء النموذج المناسب لنا، لثقافتنا وشعبنا ومواردنا وموقعنا، أما استنساخ الحلول فلن يورثنا إلا النتائج المشوهة.
وفي هذه اللحظات التاريخية يجب أن ننتبه لكل خطوة وقرار في سورية، فما نفعله اليوم هو القواعد التي ستقوم عليها حياتنا لعقود، فكل خطأ اليوم قد يتحول لكارثة سنتحمل آثارها نحن وأبناؤنا، وكل خطوة جيدة هي استثمار سيساعدنا ويساعد أبناءنا في بناء سورية التي نصبو إليها جميعاً.
Originally published in: Al-Thawra Newspaper
Visit the publisher's official platform to view the original publication and newspaper archive.